الشيخ محمد هادي معرفة

101

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

آمنتم باستوائه على العرش كإيمان المصلّين به ، لقلنا لكم : ليس نزوله من سماء إلى سماء بأشدّ عليه من ذلك ، فكما قدر على الأولى قدر على الأخرى كيف يشاء . « 1 » 46 - واستدلّ ابن‌خزيمة بأنّ فطرة المسلمين علمائهم وجهّالهم ، أحرارهم ومماليكهم ، ذكرانهم وأُناثيهم ، بالغيهم وأطفالهم ، كلّ من دعا اللّه جلّ وعلا ، فإنّما يرفع رأسه إلى السماء ، ويمدّ يده إلى اللّه إلى أعلاه لا إلى أسفل . وزاد المعلّق ( محمد خليل هراس ) في هامش الكتاب : أنّ التوجّه إلى السماء في الدعاء ، ليس فطرة في المسلمين وحدهم ، بل هو فطرة عامّة في سائر الناس ، بل إنّ الحيوانات نفسها لترفع رأسها إلى السماء زمان الجدب ، كأنّها تستمطر ربّها ، ولا يجحد هذه الفطرة إلّا معطّل قد فسدت فطرته . « 2 » وهكذا استدلّ أبو الحسن الأشعري . هذا جلّ ماتشبّث به القوم في هذا المجال ، فانتظر للإجابة على جميع ذلك واحدة واحدة تباعا حسب الأرقام . وللأشاعرة ومن لفّ لفّهم - هنا - كلام سيّء ، زعموه نقضا على أهل التنزيه . قال أبو الحسن الأشعري : زعمت المعتزلة أنّ اللّه في كلّ مكان ، فلزمهم أنّه في بطن مريم ، وفي الحشوش ، وفي الأخلية ، وهذا خلاف الدين ، تعالى اللّه عن قولهم ! « 3 » وقال أبو سعيد : فما الذي دعا الملك القدّوس ، إذ هو على عرشه في عزّه وبهائه ، أن يصير في الأمكنة القذرة وأجواف الناس والطير والبهائم ، ويصير بزعمكم - خطاب إلى أهل التنزيه - في كلّ زاوية وحجرة ومكان منه شيء ؟ ! « 4 » والحشوش : الكنف ومواضع قضاء الحاجة ، الواحد : حش ، وأصله من الحش : البستان ، لأنّهم كانوا كثيرا مايتغوّطون في البساتين . قال ابن‌الأثير : والأخلية : الخلاء . وهو الكنيف أيضا . انظر إلى هذا التعبير السيّء في مقام التكلّم عن شؤون ربّ العزّة ، ولاغرو فإنّ الغريق يتشبّث بكلّ حشيش ، ونحن نقدّرهم إذ عبّروا ببطن مريم !

--> ( 1 ) - الردّ على الجهمية ، ص 27 - 29 . ( 2 ) - التوحيد والصفات ، ص 110 ؛ وراجع : الإبانة ، ص 70 . ( 3 ) - الإبانة ، ص 71 . ( 4 ) - الردّ على الجهمية ، ص 14 .